ابن عطاء الله السكندري
11
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
ما قاربت العصيان ، فلا غريم أمطل من النفس ، ولا عدوّ أعظم من الشيطان ، ولا معارض أقوى من الهوى ، ولا يدفع المدد الهابط مثل الكبر لأن الغيث لا يقر إلا على الأرض المنخفضة لا فوق رؤوس الجبال فكذلك قلوب المتكبرين تنتقل عنها الرحمة وتنزل إلى قلوب المتواضعين ، والمراد بالمتكبرين من يرد الحق لا من يكون ثوبه حسنا ولكن الكبر بطر الحق يعنى دفعه واحتقار الناس ولا تعتقد أن الكبر لا يكون إلا في وزير أو صاحب دنيا بل قد يكون فيمن لا يملك عشاء ليلة وهو يفسد ولا يصلح لأنه تكبر على خلق اللّه تعالى ولا تعتقد أن المكتوب من كان في الأسر أو في السجن بل المنكوب من عصى اللّه وأدخل في هذه المملكة الطاهرة نجاسة المعصية . كثير من أنفق الدنانير والدراهم ولكن من أنفق الروح قليل : الأحمق من مات ولده وجعل يبكى عليه على ما فاته من اللّه عز وجل فكأنه يقول بلسان حاله أنا أبكى على ما كان يشغلني عن ربى بل كان ينبغي له الفرح بذلك ويقبل على مولاه لأنه أخذ منه ما كان يشغله عنه ، وقبيح بك أن تشيب وأنت طفل العقل صغيره ولا تفهم مراد اللّه منك فإن كنت عاقلا فابك على نفسك قبل أن يبكى عليك فإن الولد والزوجة والخادم والصديق لا يبكون عليك إذا مت بل يكون على ما فاتهم منك فسابقهم أنت بالبكاء وقل يحق لي أن أبكى على فوات حظى من ربى قبل أن يبكوا على وكفى بك جهلا أن يعاملك مولاك بالوفاء وأنت تعامله بالجفاء . ليس الرجل من صاح بين الناس في المجلس إنما الرجل من صاح على نفسه وردها إلى اللّه تعالى . من عال همّ الدنيا وترك هم الآخرة كان كمن جاءه أسد يفترسه ثم قرصه برغوث فاشتغل به عن الأسد فإن من غفل عن اللّه تعالى اشتغل بالحقير ومن لم يغفل عنه لم يشغل إلا به فأحسن أحوالك أن تفوتك الدنيا لتحصيل الآخرة ، وطالما فاتتك الآخرة لتحصيل الدنيا . ما أقبح الخوف بالجندي . ما أقبح اللحن بالنحوى ، وما أقبح طلب الدنيا لمن يظهر الزهد فيها . ليس الرجل من يريك لفظه إنما الرجل من يريك لحظه ( عن الشيخ ) أبى العباس المرسى رضى اللّه عنه أنه قال إذا كانت السلحفاة تربى أفراخها بالنظر كذلك الشيخ يربى مريده بالنظر لأن السلحفاة تبيض في البر وتتوجه إلى جانب النهر وتنظر إلى بيضها فيربيهم اللّه لها بنظرها إليهم . إياك أن تخرج من هذه الدار وما ذقت حلاوة حبه في المآكل والمشارب لأنه يشاركك فيها الكافر والدابة بل شارك الملائكة في حلاوة الذكر والجمع على اللّه تعالى لأن الأرواح لا تحتمل رشاش النفوس فإذا انغمست في جيفة الدنيا لا تصلح للمحاضرة لأن حضرة اللّه تعالى لا يدخلها المتلطخون بنجاسة المعصية فطهر قلبك من العيب يفتح لك باب الغيب وتب إلى اللّه وارجع إليه بالإنابة والذكر ، ومن أدام قرع الباب يفتح له ولولا الملاطفة ما